أحمد الشرباصي

177

موسوعة اخلاق القرآن

والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ، ومنهم من جمع بين الأمرين ، وهو الأولى ، فالخاشع في صلاته لا بد أن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود ، ومن المتروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم ، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكنا مطرقا ناظرا إلى موضع سجوده ، ومن المتروك ألا يتلفت يمينا ولا شمالا » . ولقد عني الفقهاء والمفسرون بمسألة الخشوع في الصلاة ، لأن الصلاة مناجاة للّه ، وإقبال على حماه ، ولأنها أهم عبادة في دين اللّه . ولذلك أطالوا الحديث عن وجوب التحلي بفضيلة الخشوع في الصلاة ، واستدلوا على هذا الواجب بأدلة كثيرة منها ، أن اللّه تعالى يقول : « وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي » . والغفلة تناقض الذكر ، فمن غفل في جميع صلاته لا يكون قد أقام الصلاة لذكر اللّه تعالى . ومنها أن اللّه تعالى يقول : « وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ » ، وظاهر هذا النهي هو التحريم ، ومنها أيضا أن اللّه تعالى يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » ، والغافل غير الخاشع لن يعرف معنى ما يقوله في الصلاة ، لأنه منصرف عنه مشغول بسواه . ومنها أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع » . ولا يتحقق التمسكن والتواضع مع الغفلة . ومنها أن الرسول يقول : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلا بعدا » . وصلاة الغافل لن تمنعه عن الفحشاء والمنكر . ومنها أيضا أن النبي قال : « كم من قائم حظّه من قيامه التعب والنّصب » . وهو يعني بذلك الغافل في الصلاة . ومنها أنه قال : « ليس لعبد من صلاته إلا ما عقل » والغافل لا يعقل صلاته . ونرى صاحب « مفاتيح الغيب » يد لي بدلوه في هذا الموضوع ثم يعقب قائلا : « ولا شك أن المقصود من القراءة والأذكار : الحمد والثناء والتضرع والدعاء ، والمخاطب هو اللّه تعالى ، فإذا كان القلب محجوبا بحجاب أخلاق القرآن ( 12 )